فصل: تفسير الآية رقم (44)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب‏}‏ استئناف لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم إثر ذكر أنواع التكاليف والأحكام الشرعية، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين؛ وفيه إيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وقيل‏:‏ لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وخطاب سيد القوم في مقام خطابهم والرؤية بصرية، وتعديها بإلى حملاً لها على النظر أي ألم تنظر إليهم وجعلها علمية وتعديها بإلى لتضمينها معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إليهم منحط في مقام التعجيب وتشهير شنائعهم، ونظمها في سلك الأمور المشاهدة، والمراد من الموصول يهود المدينة‏.‏ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا لسانهما وعاباه، وعنه أنها نزلت في حبرين كانا يأتيان رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ ورهطه يثبطانهم عن الإسلام‏.‏ والمراد من الكتاب التوراة، وقيل‏:‏ الجنس وتدخل فيه دخولاً أولياً وفيه تطويل للمسافة، وقيل‏:‏ القرآن لأن اليهود علموا أنه كتاب حق أتى به نبي صادق لا شبهة في نبوته، وفيه أنه خلاف الظاهر، وبالذي أوتوه ما بين لهم فيه من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم، والتعبير عن بالنصيب المشعر بأنه حق من حقوقهم التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان بركاكة آرائهم في الإهمال، والتنوين للتفخيم، وهو مؤيد للتشنيع، ومثله ما لو حمل على التكثير، و‏{‏مِنْ‏}‏ متعلقة بمحذوف وقع صفة لنصيباً مبينة لفخامته الإضافية إثر فخامته الذاتية، وقيل‏:‏ متعلقة بأوتوا

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَشْتَرُونَ الضلالة‏}‏ استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجيب المفهومين من صدر الكلام مبني على سؤال نشأ منه كأنه قيل‏:‏ ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم‏؟‏ فقيل‏:‏ يختارون الضلالة على الهدى أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه المنزل منزلة الحصول، أو حصوله لهم بالفعل بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى يأخذون الرشا ويحرفون التوراة، فالضلالة هو هذا التحريف أي اشتروها بمال الرشا، وذهب أبو البقاء إلى أن جملة ‏{‏يَشْتَرُونَ‏}‏ حال مقدرة من ضمير ‏{‏أُوتُواْ‏}‏ أو حال من ‏{‏الذين‏}‏، وتعقب الوجه الأول‏:‏ بأنه لا ريب في أن اعتبار تقدير اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يليق بالمقام، والثاني‏:‏ بأنه خال عن إفادة أن مادة التشنيع والتعجيب هو الاشتراء المذكور، وما عطف عليه من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل‏}‏ فالأوجه الاستئناف والمعطوف شريك للمعطوف عليه فيما سبق له، والمعنى أنهم لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وكتم نعوته الناطقة بها التوراة أن تكونوا أنتم أيضاً ضالين الطريق المستقيم الموصل إلى الحق، والتعبير بصيغة المضارع في الموضعين للإيذان بالاستمرار التجددي فإن تجدد حكم اشترائهم المذكور وتكرر العمل بموجبه في قوة تجدد نفسه وتكرره، وفي ذلك أيضاً من التشنيع ما لا يخفى، وقرىء ‏{‏ءانٍ يُضِلُّواْ‏}‏ بالياء بفتح الضاد وكسرها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏والله أَعْلَمُ‏}‏ منكم أيها المؤمنون ‏{‏بِأَعْدَائِكُمْ‏}‏ الذين من جملتهم هؤلاء، وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون فاحذروهم، فالجملة معترضة للتأكيد وبيان التحذير وإلا فأعملية الله تعالى معلومة، وقيل‏:‏ المعنى أنه تعالى أعلم بحالهم ومآل أمرهم فلا تلتفتوا إليهم ولا تكونوا في فكر منهم ‏{‏وكفى بالله وَلِيّاً‏}‏ يلي أمركم وينفعكم بما شاء ‏{‏وكفى بالله نَصِيراً‏}‏ يدفع عنكم مكرهم وشرهم فاكتفوا بولايته ونصرته ولا تبالوا بهم ولا تكونوا في ضيق مما يمكرون؛ وفي ذلك وعد للمؤمنين ووعيد لأعدائهم، والجملة معترضة أيضاً، والباء مزيدة في فاعل ‏{‏كفى‏}‏ تأكيداً للنسبة بما يفيد الاتصال وهو الباء الإلصاقية، وقال الزجاج‏:‏ إنما دخلت هذه الباء لأن الكلام على معنى اكتفوا بالله، و‏{‏وَلِيّاً‏}‏ و‏{‏نَصِيراً‏}‏ منصوبان على التمييز، وقيل‏:‏ على الحال، وتكرير الفعل في الجملتين مع إظهار الاسم الجليل لتأكيد كفايته عز وجل مع الإشعار بالعلية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏مّنَ الذين هَادُواْ‏}‏ قيل‏:‏ هو بيان للذين أوتوا المتناول بحسب المفهوم لأهل الكتابين، وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين عنهم والاهتمام بحثهم على الثقة بالله تعالى والاكتفاء بولايته ونصرته، واعترضه أبو حيان بأن الفارسي قد منع الاعتراض بجملتين فما ظنك بالثلاث‏؟‏ا وأجاب الحلبي بأن الخلاف إذا لم يكن عطف والجمل هنا متعاطفة وبه يصير الشيئان شيئاً واحداً، وقيل‏:‏ إنه بيان لأعدائكم، وفيه أنه لا وجه لتخصيص علمه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض، وقيل‏:‏ إنه صلة لنصير أي ينصركم من الذين هادوا وفيه تحجير لواسع نصرة الله تعالى مع أنه لا داعي لوضع الموصول موضع ضمير الأعداء وكون ما في حيز الصلة وصفاً ملائماً للنصر غير ظاهر، وقيل‏:‏ إنه خبر مبتدأ محذوف

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه‏}‏ صفة له أي‏:‏ من الذين هادوا قوم يحرفون ويتعين هذا في قراءة عبد الله و‏{‏مِنَ الذين‏}‏ وقد تقرر أن المبتدأ إذا وصف بجملة أو ظرف، وكان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه يطرد حذفه، ومنه قوله‏:‏

وما الدهر إلا تارتان فمنهما *** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

والفراء يجعل المبتدأ المحذوف اسماً موصولاً، و‏{‏يُحَرّفُونَ‏}‏ صلته أي‏:‏ من الذين هادوا من يحرفون والبصريون يمنعون حذف الموصول مع بقاء صلته إلا أنه يؤيده ما في مصحف حفصة رضي الله تعالى عنها مَن يحرفون واعترض هذا أيضاً بأنه يقتضي بظاهره كون الفريق السابق بمعزل من التحريف الذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة، والكلم اسم جنس واحده كلمة كلبنة ولبن، ونبقة ونبق وقيل‏:‏ جمع وليس بشيء على المختار ولعل من أطلقه عليه أراد المعنى اللغوي أعني ما يدل على ما فوق الإثنين مطلقاً، وتذكير ضميره باعتبار أفراده لفظاً، وجمعيته باعتبار تعدده معنى، وقرىء بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة بنقل كسرة اللام إلى الكاف، وقرىء ‏{‏يُحَرّفُونَ‏}‏، والمراد به ههنا إما ما في التوراة وإما ما هو أعم منه، ومما سيحكي عنهم من الكلمات الواقعة منهم في أثناء محاورتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والأول‏:‏ هو المأثور عن السلف كابن عباس ومجاهد وغيرهما، وتحريف ذلك إما إزالته عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم ربعة في نعت النبي صلى الله عليه وسلم، ووضعهم مكانه طوال، وكتحريفهم الرجم ووضع الحد موضعه، وإما صرفه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صحة له بالتأويلات الفاسدة والتمحلات الزائغة كما تفعله المبتدعة في الآيات القرآنية المخالفة لمذهبهم، ويؤيد الأول ما رواه البخاري عن ابن عباس قال‏:‏ كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرءونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله تعالى وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا‏:‏ هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، واستشكل بأنه كيف يمكن ذلك في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر وانتشرت نسخه شرقاً وغربا‏؟‏ا‏.‏

وأجيب بأن ذلك كا قبل اشتهار الكتاب في الآفاق وبلوغه مبلغ التواتر وفيه بعد، وإن أيد بوقوع الاختلاف في نسخ التوراة التي عند طوائف اليهود، وقيل‏:‏ إن اليهود فعلوا ذلك في نسخ من التوراة ليضلوا بها ولما لم ترج عدلوا إلى التأويل، والمراد من ‏{‏عَن مواضعه‏}‏ على تقدير إرادة الأعم ما يليق به مطلقاً سواء كان ذلك بتعيينه تعالى صريحاً كمواضع ما في التوراة أو بتعيين العقل والدين كمواضع غيره، وأصل التحريف إمالة الشيء إلى حرف أي طرف فإذا كان ‏{‏يُحَرّفُونَ‏}‏ بمعنى يزيلون كان كناية لأنهم إذا بدلوا الكلم ووضعوا مكانه غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه، والفرق بين ما هنا وما يأتي في سورة المائدة ‏(‏41‏)‏ من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِ مواضعه‏}‏ أن الثاني أدل على ثبوت مقارّ الكلم واشتهارها مماهنا، وذلك لأن الظرف يدل على أنه بعد ما ثبت الموضع وتقرر حرفوه عنه، واختار ذلك هنالك لأن فيه ما يقتضي الاتيان بالأدل الأبلغ

‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ عطف على ‏{‏يُحَرّفُونَ‏}‏ وأكثر العلماء على أن المراد به القول اللساني بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم، واختار البعض حمله على ما يعم ذلك وما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم ليندرج فيه ما نطقت به ألسنة حالهم عند تحريف التوراة ولا يقيد حينئذ بزمان أو مكان ولا يخصص بمادة دون مادة ويحتاج إلى ارتكاب عموم المجاز لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز والمعنى عليه أنهم مع ذلك التحريف يقولون ويفهمون في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم أو بلسان الحال أو المقال عناداً وتحقيقاً للمخالفة ‏{‏سَمِعْنَا‏}‏ أي فهمنا ‏{‏وَعَصَيْنَا‏}‏ أي لم نأتمر وبذلك فسره الراغب ‏{‏واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ‏}‏ عطف على ‏{‏سَمِعْنَا‏}‏ داخل معه تحت القول لكن باعتبار أنه لساني، وفي أثناء مخاطبته صلى الله عليه وسلم وهو كلام ذو وجهين محتمل للشر والخير، ويسمى في البديع بالتوجيه كما قاله غير واحد، ومثلوا له بقوله‏:‏

خاط لي عمرو قباء *** ليت عينيه سواء

واحتماله للشر بأن يحمل على معنى اسمع مدعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع نابي السمع عما تسمعه لكراهيته عليك، أو اسمع كلاماً غير مسمع إياك لأن أذنيك تنبو عنه فغير إما حال لا غير، وإما مفعول به وصحت الحالية على الاحتمال الأول باعتبار أن الدعاء هو المقصود لهم وأنهم لما قدروا لعنهم الله تعالى إجابته صار كأنه واقع مقرر، واحتماله للخير بأن يحمل على معنى‏:‏ اسمع منا غير مسمع مكروهاً من قولهم‏:‏ أسمعه فلان إذا سبه، وكان أصله أسمعه ما يكره فحذف مفعوله نسياً منسياً وتعورف في ذلك، وقد كانوا لعنهم الله تعالى يخاطبون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءاً مظهرين له صلى الله عليه وسلم المعنى الأخير وهم يضمرون سواه‏.‏

‏{‏وراعنا‏}‏ عطف على ما قبله أي ويقولون أيضاً في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا وهو ذو وجهين كسابقه، فاحتماله للخير على معنى أمهلنا وانظر إلينا، أو انتظرنا نكلمك، واحتماله للشر بحمله على السب، ففي «التيسير»‏:‏ إن راعنا بعينه مما يتسابون به وهو للوصف بالرعونة، وقيل‏:‏ إنه يشبه كلمة سب عندهم عبرانية أو سريانية وهي راعينا، وقيل‏:‏ بل كانوا يشبعون كسر العين ويعنون لعنهم الله تعالى أنه وحاشاه صلى الله عليه وسلم بمنزلة خدمهم ورعاة غنمهم، وقد كانوا يقولون ذلك مظهرين الاحترام والتوقير مضمرين ما يستحقون به جهنم وبئس المصير‏.‏ وهذا نوع من النفاق ولا ينافيه تصريحهم بالعصيان لما قيل‏:‏ إن جميع الكفار يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر ولا يخاطبونه بالسب والذم والدعاء عليه عليه الصلاة والسلام، واعترض بأنه حينئذ لا وجه لإيراد السماع والعصيان مع التحريف وإلقاء الكلام المحتمل احتيالاً، وأجيب بأنه يمكن أن يقال‏:‏ المقصود على هذا عد صفاتهم الذميمة لا مجرد التحريف والاحتيال فكأنه قيل‏:‏ يحرفون كتابهم ويجاهرون بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالاً وحالاً وعصيانهم بعد سماع ما بلغهم وتحققه لديهم ويحتالون في سبه صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ إن قولهم ‏{‏سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا‏}‏ لم يكن بمحضره عليه الصلاة والسلام بل كان فيما بينهم فلا ينافي نفاقهم في الجملتين بين يديه صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ القول نظراً إلى الجملة الأولى حالي وإلى الجملتين الأخيرتين لساني، وقيل‏:‏ إن الأولى أيضاً ذات وجهين كالأخيرتين إذ يحتمل أن يكون مرادهم أطعنا أمرك وعصينا أمر قومنا، ويحتمل أن يكون مرادهم ما تقدم‏.‏ ومن الناس من جوز أن يراد بتحريف الكلم إمالتها عن مواضعها سواء كانت مواضع وضعها الله تعالى فيها أو جعلها المقام والعرف مواضع لذلك فيكون المعنى هم قوم عادتهم التحريف، ويكون قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ الخ تعداداً لبعض تحريفاتهم، والمراد إنهم يقولون لك‏:‏ سمعنا وعند قومهم عصينا ويقولون كذا وكذا فيظهرون لك شيئاً ويبطنون خلافه

‏{‏لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ‏}‏ اللّي يكون بمعنى الانحراف والالتفات والانعطاف عن جهة إلى أخرى، ويكون بمعنى ضم إحدى نحو طاقات الحبل على الأخرى‏.‏

والمراد به هنا إما صرف الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر، وإما ضم أحد الأمرين إلى الآخر، وأصله لوى فقلبت الواو ياءاً وأدغمت، ونصبه على أنه مفعول له ليقولون باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين، وقيل‏:‏ بالأقوال جميعها، أو على أنه حال أي لاوِينَ ومثله في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَعْناً فِى الدين‏}‏ أي قدحاً فيه بالاستهزاء والسخرية، وكل من الظرفين متعلق بما عنده ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ‏}‏ عندما سمعوا شيئاً من أوامر الله تعالى ونواهيه ‏{‏قَالُواْ‏}‏ بلسان المقال كما هو الظاهر أو به وبلسان الحال كما قيل‏:‏ ‏{‏سَمِعْنَا‏}‏ سماع قبول مكان قولهم‏:‏ ‏{‏سَمِعْنَا‏}‏ المراد به سماع الرد ‏{‏وَأَطَعْنَا‏}‏ مكان قولهم‏:‏ ‏{‏عصينا‏}‏ ‏{‏وَعَصَيْنَا واسمع‏}‏ بدل قولهم‏:‏ ‏{‏أَسْمِعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ‏}‏‏.‏ ‏{‏وانظرنا‏}‏ بدل قولهم‏:‏ ‏{‏راعنا‏}‏ ‏{‏لَكَانَ‏}‏ قولهم هذا ‏{‏خَيْراً لَّهُمْ‏}‏ وأنفع من قولهم ذلك ‏{‏وَأَقْوَمُ‏}‏ أي أعدل في نفسه، وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفعل في المفضل عليه بناءاً على اعتقادهم أو بطريق التهكم، وإما بمعنى اسم الفاعل فلا حاجة إلى تقدير من، وفي تقديم حال القول بالنسبة إليهم على حاله في نفسه إيماء إلى أن همم اليهود لعنهم الله تعالى طماحة إلى ما ينفعهم، والمنسبك من ‏(‏أن‏)‏ وما بعدها فاعل ثبت المقدر لدلالة أن عليه أي‏:‏ لو ثبت قولهم سمعنا الخ وهو مذهب المبرد، وقيل‏:‏ مبتدأ لا خبر له، وقيل‏:‏ خبره مقدر‏.‏

‏{‏وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ‏}‏ أي ولكن لم يقولوا الأنفع والأقوم، واستمروا على ذلك فخذلهم الله تعالى وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ‏{‏فَلاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ بعد ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ اختار العلامة الثاني كونه استثناء من ضمير المفعول في ‏{‏لَّعَنَهُمُ‏}‏ أي ولكن لعنهم الله تعالى إلا فريقاً قليلاً منهم فإنه سبحانه لم يلعنهم فلهذا آمن من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل‏:‏ هو مستثنى من فاعل ‏{‏يُؤْمِنُونَ‏}‏ ويتجه عليه أن الوجه حينئذ الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب مع أن القراء قد اتفقوا على النصب، ويبعد منهم الاتفاق على غير المختار مع أنه يقتضي وقوع إيمان من لعنه الله تعالى وخذله إلا أن يحمل ‏{‏لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ‏}‏ على لعن أكثرهم وهو كما ترى، وقيل‏:‏ إنه صفة مصدر محذوف أي إلا إيماناً قليلاً لأنهم وحدوا وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشريعته، والإيمان بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي، وجوز على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم كما في قوله‏:‏

قليل التشكي للمهم يصيبه *** كثير الهوى شتى النوى والمسالك

والمراد أنهم لا يؤمنون إلا إيماناً معدوماً إما على حد ‏{‏لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 56‏]‏ أي إن كان المعدوم إيماناً فهم يحدثون شيئاً من الإيمان فهو من التعليق بالمحال، أو أن ما أحدثوه منه لما لم يشتمل على ما لا بد منه كان معدوماً انعدام الكل بجزئه، والوجه هو الأول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب‏}‏ نزلت كما قال السدي في زيد بن التابوت ومالك بن الصيف‏.‏

وأخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ «كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد فقال لهم‏:‏ يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق فقالوا‏:‏ ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل الله تعالى فيهم الآية، ولا يخفى أن العبرة لعموم اللفظ وهو شامل لمن حكيت أحوالهم وأقوالهم ولغيرهم، وجعل الخطاب للأولين خاصة بطريق الالتفات، وأن وصفهم بإيتاء الكتاب تارة وبإيتاء نصيب منه أخرى لتوفية كل من المقامين حظه بعيد جداً، ولما كان تفصيل هاتيك الأحوال والأقوال من مظان إقلاع من توجه الخطاب إليهم عما هم عليه من الضلالة عقب ذلك بالأمر بالمبادرة إلى سلوك محجة الهدى مشفوعاً بالتحذير والتخويف والوعيد الشديد على المخالفة فقال سبحانه‏:‏

‏{‏ءامَنُواْ‏}‏ إيماناً شرعياً ‏{‏بِمَا نَزَّلْنَا‏}‏ أي بالذي أنزلناه من عندنا على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ‏{‏مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ‏}‏ من التوراة الغير المبدلة، وقد تقدم كيفية تصديق القرآن لذلك وعبر عن التوراة بما ذكر للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال المؤدي إلى العلم بكون القرآن مصدقاً لها ‏{‏مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً‏}‏ متعلق بالأمر مفيد للمسارعة إلى الامتثال لما فيه من الوعيد الوارد على أبلغ وجه وآكده حيث لم يعلق وقوع المتوعد به بالمخالفة ولم يصرح بوقوعه عندها تنبيهاً على أن ذلك أمر محقق غني عن الإخبار به؛ وأنه على شرف الوقوع متوجه نحو المخاطبين، وفي تنكير وجوه تهويل للخطب ‏(‏مع‏)‏ لطف وحسن استدعاء، وأصل الطمس استئصال أثر الشيء، والمراد آمنوا من قبل أن نمحو ما خطه الباري بقلم قدرته في صحائف الوجوه من نون الحاجب، وصاد العين، وألف الأنف، وميم الفم فنجعلها كخف البعير أو كحافر الدابة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏.‏ وقال الفراء والبلخي وحسين المغربي‏:‏ إن المعنى آمنوا من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة‏.‏

‏{‏فَنَرُدَّهَا على أدبارها‏}‏ أي فنجعلها على هيئة أدبارها وإقفائها مطموسة مثلها فإن ما خلف الوجه لا تصوير فيه وهو منبت الشعر أيضاً؛ والعطف بالفاء إما على إرادة نريد الطمس، أو على جعل العطف من عطف المفصل على المجمل، وعن عطية العوفي‏:‏ أن المراد ننكسها بعد الطمس بجعل العيون التي فيها وما معها في القفا، فالعطف بالفاء ظاهر، وقيل‏:‏ المراد بالوجوه الوجهاء على أن الطمس بمعنى مطلق التغيير أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب وجاهتهم وإقبالهم ونكسوهم صغاراً وإدباراً، أو نردهم من حيث جاءوا منه وهي أذرعات الشام، فالمراد بذلك إجلاء بني النضير، وإلى هذا المراد ذهب ابن زيد، وضعف بأنه لا يساعده مقام تشديد الوعيد وتعميم التهديد للجميع‏.‏

وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة، فقال جماعة‏:‏ كان بوقوعه في الدنيا وأيد بما أخرجه ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال‏:‏ تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال‏:‏ أسلم كعب في زمان عمر رضي الله تعالى عنه أقبل وهو يريد بيت المقدس فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال‏:‏ يا كعب أسلم قال‏:‏ ألستم تقرءون في كتابكم‏:‏ ‏{‏مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 5‏]‏‏؟‏ وأنا قد حملت التوارة فتركه، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص فسمع رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية فقال‏:‏ رب آمنت رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها، ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين، وروي أن عبد الله بن سلام لما قدم من الشام وقد سمع هذه الآية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال‏:‏ يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي، ثم اختلفوا فقال المبرد‏:‏ إنه منتظر بعد ولا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل قيام الساعة، وأيد بتنكير وجوه، والتعبير بضمير الغيبة فيما يأتي، واعترضه شيخ الإسلام بأن انصراف العذاب الموعود عن أوائلهم وهم الذين باشروا أسباب نزوله وموجبات حلوله حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي التوراة فحرفوها وأصروا على الكفر والضلالة، وتعلق بهم خطاب المشافهة بالوعيد ثم نزوله على من ‏(‏وجه بعد ما فات‏)‏ من السنين من أعقابهم الضالين بإضلالهم ‏(‏العاملين‏)‏ بما مهدوا من قوانين الغواية بعيد من حكمة العزيز الحكيم، والجواب بأن عادة الله سبحانه قد جرت مع اليهود بأن ينتقم من أخلافهم بما صنعت أسلافهم وإن لم يعلم وجه الحكمة فيه على تقدير تسليمه لا يزيل البعد في هذه الصورة، وقال الطبرسي‏:‏ «إن هذا الوعيد كان متوجهاً إليهم لو لم يؤمن أحد منهم، وقد آمن جماعة من أحبارهم فلم يقع ورفع عن الباقين»، واعترض أيضاً بأن إسلام البعض إن لم يكن سبباً لتأكد نزول العذاب على الباقين لتشديدهم النكير والعناد بعد ازدياد الحق وضوحاً وقيام الحجة عليهم بشهادة أماثلهم العدول فلا أقل من أن لا يكون سبباً لرفعه عنهم، وقيل‏:‏ في الجواب إنه إذا جاز أن ينزل سبحانه البلاء على قوم بسبب عصيان بعض منهم كما يشير إليه قوله تعالى‏:‏

‏{‏واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 25‏]‏ فلأن يجوز أن يرفع ذلك عن الكل بسبب طاعة البعض من باب أولى لأنه سبحانه الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه‏.‏ وقد ورد في الأخبار ما يدل على وقوع ذلك، ودعوى الفرق مما لا تكاد تسلم‏.‏

وقيل‏:‏ كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت‏}‏ فإن لم يقع الأمر الأول فلا نزاع في وقوع الأمر الثاني فإن اليهود ملعونون بكل لسان وفي كل زمان، فاللعن بمعناه الظاهر؛ والمراد من التشبيه بلعن أصحاب السبت الإغراق في وصفه، واعترض بأن اللعن الواقع عليهم ما تداولته الألسنة وهو بمعزل من صلاحيته أن يكون حكماً لهذا الوعيد أو مزجرة عن مخالفة للعنيد، فاللعن هنا الخزي بالمسخ وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن المنذر عن الضحاك وابن جرير عن الحسن، ويؤيده ظاهر التشبيه، وليس في عطفه على الطمس والرد على الأدبار شائبة دلالة ‏(‏عدم‏)‏ على إرادة ذلك ضرورة أنه ‏(‏تعبير‏)‏ مغاير لما عطف عليه، والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 60‏]‏ لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، وذهب البلخي والجبائي إلى أن الوعيد إنما كان بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع‏.‏ وأجيب عما روي عن الحبرين الظاهر في أن ذلك في الدنيا بأنه مبني على الاحتياط وغلبة الخوف اللائق ‏(‏بشأنها‏)‏، وقد ورد «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الدخول والخروج في الحجرات ولا يكاد يقر له قرار إذا اشتد الهواء، ويقول‏:‏ أخشى أن تقوم الساعة» مع علمه صلى الله عليه وسلم بأن قبل قيامها القائم وعيسى عليه السلام والدجال عليه اللعنة والدابة وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما قصه صلى الله عليه وسلم علينا، وجوز بعضهم على تقدير كون الوعيد بالوقوع في الآخرة أن يراد بالطمس والرد على الأدبار الختم على العين والفم والطبع عليهما، فقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ‏}‏ ‏[‏ياس‏:‏ 66‏]‏ و‏{‏اليوم نَخْتِمُ على أفواههم‏}‏ ‏[‏ياس‏:‏ 65‏]‏ وجوز نحو هذا بعض من ادعى أن ذلك في الدنيا فقال‏:‏ إن المعنى آمنوا من قبل أن نطمس وجوهاً بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار، ونصم الأسماع عن الإصغاء إلى الحق بالطبع، ونردها عن الهداية إلى الضلالة‏.‏ وروي ذلك عن الضحاك وأخرجه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه، والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا على ما في «التيسير» مما لا يلتفت إليه، ورجح احتمال كونه في الآخرة، وأياً مّا كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات كما قال شيخ الإسلام مراعاة المشاكلة ‏(‏بينها‏)‏ وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير والفاعل والراضي سواء، والضمير المنصوب في نلعنهم لأصحاب الوجوه، أو للذين على طريق الالتفات لأنه بعد تمام النداء يقتضي الظاهر الخطاب، وأما قبله فالظاهر الغيبة، ويجوز الخطاب لكنه غير فصيح كقوله‏:‏

يا من يعز علينا أن نفارقهم *** وجداننا ‏(‏كل شيء‏)‏ بعدكم عدم

أو للوجوه إن أريد به الوجهاء ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله‏}‏ بإيقاع شيء ما من الأشياء، فالمراد بالأمر معناه المعروف، ويحتمل أن يراد به واحد الأمور ولعله الأظهر أي كان وعيده أو ما حكم به وقضاه ‏{‏مَفْعُولاً‏}‏ نافذاً واقعاً في الحال أو كائناً في المستقبل لا محالة، ويدخل في ذلك ما أوعدتم به دخولاً أولياً، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لما مر غير مرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ‏}‏ كلام مستأنف مقرر لما قبله من الوعيد ومؤكد وجوب امتثال الأمر بالإيمان حيث إنه لا مغفرة بدونه كما زعم اليهود، وأشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 169‏]‏ وفيه أيضاً إزالة خوفهم من سوء الكبائر السابقة إذا آمنوا‏.‏ والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله تعالى شأنه شريكاً إما في الألوهية أو في الربوبية، وبمعنى الكفر مطلقاً وهو المراد هنا كما أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولاً أولياً فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا، ونزول الآية في حق اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ، والمشهور أنها نزلت مطلقة، فقد أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال‏:‏ «لما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأهل عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏ الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال‏:‏ والشرك بالله‏؟‏ فسكت، ثم قام إليه فقال‏:‏ يا رسول الله والشرك بالله تعالى‏؟‏ فسكت مرتين أو ثلاثاً فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ‏}‏» الخ والمعنى أن الله تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم على خلود عذابه، وحكمه لا يتغير، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر ولذا لم يبعث نبي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه، وقيل‏:‏ لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره، ولا يخفى أن هذا مبني على أن فعل الله تعالى تابع لاستعداد المحل، وإليه ذهب أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة، فإن ‏{‏يُشْرَكَ‏}‏ في موضع النصب على المفعولية؛ وقيل‏:‏ المفعول محذوف والمعنى لا يغفر من أجل أن يشرك به شيئاً من الذنوب فيفيد عدم غفران الشرك من باب أولى، والذي عليه المحققون هو الأول‏.‏

‏{‏وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ‏}‏ عطف على خبر ‏(‏إن‏)‏ لا مستأنف، وذلك إشارة إلى الشرك، وفيه إيذان ببعد درجته في القبح أي يغفر ما دونه من المعاصي وإن عظمت وكانت كرمل عالج، ولم يتب عنها تفضلاً من لدنه وإحساناً ‏{‏لِمَن يَشَاء‏}‏ أن يغفر له ممن اتصف بما ذكر فقط، فالجار متعلق بيغفر المثبت، والآية ظاهرة في التفرقة بين الشرك وما دونه بأن الله تعالى لا يغفر الأول ألبتة ويغفر الثاني لمن يشاء، والجماعة يقولون بذلك عند عدم التوبة فحملوا الآية عليه بقرينة الآيات والأحاديث الدالة على قبول التوبة فيهما جميعاً، ومغفرتهما عندها بلا خلاف من أحد، وذهب المعتزلة إلى أنه لا فرق بين الشرك وما دونه من الكبائر في أنهما يغفران بالتوبة ولا يغفران بدونها فحملوا الآية كما قيل‏:‏ على معنى إن الله لا يغفر الإشراك لمن يشاء أن لا يغفر له وهو غير التائب ويغفر ما دونه لمن يشاء أن يغفر له وهو التائب وجعلوا ‏{‏لِمَن يَشَاء‏}‏ متعلقاً بالفعلين وقيدوا المنفي بما قيد به المثبت على قاعدة التنازل لكن ‏{‏مَن يَشَآء‏}‏ في الأول‏:‏ المصرون بالاتفاق، وفي الثاني‏:‏ التائبون قضاءاً لحق التقابل وليس هذا من استعمال اللفظ الواحد في معنيين متضادين لأن المذكور إنما تعلق بالثاني وقدر في الأول مثله والمعنى واحد لكن يقدر مفعول المشيئة في الأول‏:‏ عدم الغفران، وفي الثاني‏:‏ الغفران بقرينة سبق الذكر، ولايخفى أن كون هذا من التنازع مع اختلاف متعلق المشيئة مما لا يكاد يتفوه به فاضل ولا يرتضيه كامل على أنه لا جهة لتخصيص كل من القيدين بما خصص لأن الشرك أيضاً يغفر للتائب وما دونه لا يغفر للمصر عندهم من غير فرق بينهما، وسوق الآية ينادي بالتفرقة وتقييد مغفرة ‏{‏مَا دُونَ ذَلِكَ‏}‏ بالتوبة مما لا دليل عليه إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من آيات الوعد‏.‏

وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» أنها راجحة على آيات الوعيد بالاعتبار من ثمانية أوجه سردها هناك وزعم أنها لو لم تقيد، وقيل‏:‏ بجواز المغفرة لمن لم يتب لزم إغراء الله تعالى للعبد بالمعصية لسهولتها عليه حينئذ والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله سبحانه ليس بشيء، أما أولاً‏:‏ فلأنه مبني على القول بالحسن والقبح العقلين وقد أبطل في محلة، وأما ثانياً‏:‏ فلأن لو سلم يلزم منه تقبيح العفو شاهداً وهو خلاف إجماع العقلاء، وأما ثالثاً‏:‏ فلأنه منقوض بالتوبة فإنهم قالوا‏:‏ بوجوب قبولها ولا يخفى أن ذلك مما يسهل على العاصي الإقدام على المعصية أيضاً ثقة منه بالتوبة حسب وثوقه بالمغفرة بل أبلغ من حيث إن التوبة مقدورة له بخلاف المغفرة فكان يجب أن لا تقبل توبته لما فيه من الإغراء وهو خلاف الإجماع فلئن قالوا‏:‏ هو غير واثق بالإمهال إلى التوبة قلنا‏:‏ هو غير واثق بالمغفرة لإبهام الموصول، والقول‏:‏ بأنه لو لم تشترط التوبة لزم المحاباة من الله تعالى في الغفران للبعض دون البعض والمحاباة غير جائزة عليه تعالى ساقط من القول لأن الله تعالى متفضل بالغفران وللمتفضل أن يتفضل على قوم دون قوم وإنسان دون إنسان وهو عادل في تعذيب من يعذبه، وليس يمنع العقل والشرع من الفضل والعدل كما لا يخفى، ومن المعتزلة من قال‏:‏ إن المغفرة قد جاءت بمعنى تأخير العقوبة دون إسقاطها كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 6‏]‏ فإنه لا يصح هنا حملها على إسقاط العقوبة لأن الآية في الكفار والعقوبة غير ساقطة عنهم إجماعاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 58‏]‏ فإنه صريح في أن المغفرة بمعنى تأخير العقوبة فلتحمل فيما نحن فيه على ذلك بقرينة إن الله تعالى خاطب الكفار وحذرهم تعجيل العقوبة عن ترك الإيمان، ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ‏}‏ الخ فيكون المعنى إن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك بل يعجلها ويؤخر عقوبة ما دونه لمن يشاء فلا تنهض الآية دليلاً على ما هو محل النزاع على أنه لو سلم أن المغفرة فيها بمعنى إسقاط العقوبة لا يحصل الغرض أيضاً لأنه إما أن يراد إسقاط كل واحد واحد من أنواع العقوبة، أو يراد إسقاط جملة العقوبات، أو يراد إسقاط بعض أنواعها لا سبيل إلى الأول لعدم دلالة اللفظ عليه بقي الاحتمالان الآخران، وعلى الأول‏:‏ منهما لا يلزم من كونه لا يعاقب بكل أنواع العقوبات أن لا يعاقب ببعضها، وعلى الثاني‏:‏ لا يلزم من إسقاط بعض الأنواع إسقاط البعض الآخر‏.‏

وأجيب بأن حمل المغفرة على إسقاط العقوبة أولى من حملها على التأخير لثلاثة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أنه المعنى المتبادر من إطلاق اللفظ، الثاني‏:‏ أنه لو حمل لفظ المغفرة في الآية على التأخير لزم منه التخصيص في أن الله لا يغفر أن يشرك به لأن عقوبة الشرك مؤخرة في حق كثير من المشركين بل ربما كانوا في أرغد عيش وأطيبه بالنسبة إلى عيش بعض المؤمنين وأن لا يفرق في مثل هذه الصورة بين الشرك وما دونه بخلاف حملها على الإسقاط، الثالث‏:‏ أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين لم يزالوا مجمعين على حمل لفظ المغفرة في الآية على سقوط العقوبة وما وقع عليه الإجماع هو الصواب وضده لا يكون صواباً‏.‏ وقولهم‏:‏ لا يحصل الغرض أيضاً لو حملت على ذلك لأنه إما أن يراد الخ قلنا بل المراد إسقاط كل واحد واحد وبيانه أن قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ‏}‏ سلب للغفران فإذا كان المفهوم من الغفران إسقاط العقوبة فسلب الغفران سلب السلب فيكون إثباتاً، ومعناه إقامة العقوبة، وعند ذلك فإما أن يكون المفهوم إقامة كل أنواع العقوبات، أو بعضها لا سبيل إلى الأول لاستحالة الجمع بين العقوبات المتضادة ولأن ذلك غير مشترط في حق الكفار إجماعاً فلم يبق إلا الثاني، ويلزم من ذلك أن يكون الغفران فيما دون الشرك بإسقاط كل عقوبة وإلا لما تحقق الفرق بين الشرك وما دونه، ومنهم من وقع في حيص بيص في هذه الآية حتى زعم أن ‏{‏وَيَغْفِرْ‏}‏ عطف على المنفي والنفي منسحب عليهما، والآية للتسوية بين الشرك وما دونه لا للتفرقة، ولا يخفى أنه من تحريف كلام الله تعالى ووضعه في غير مواضعه‏.‏

ومن الجماعة من قال في الرد على المعتزلة‏:‏ إن التقييد بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة ووجوب الصفح بعدها، وتعقبه صاحب «الكشف» بأنه لم يصدر عن ثبت لأن الوجوب بالحكمة يؤكد المشيئة عندهم، وأيضاً قد أشار الزمخشري في هذا المقام إلى أن المشيئة بمعنى الاستحقاق وهي تقتضي الوجوب وتؤكده فلا يرد ما ذكر رأساً‏.‏ ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة يرد بها على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار، وذكر الجلال السيوطي أن فيها رداً أيضاً على المرجئة القائلين‏:‏ إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون‏.‏ وأخرج ابن الضريس وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال‏:‏ «كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ‏}‏» الآية، وقال‏:‏ إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا، وقد استبشر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الآية جداً حتى قال علي كرم الله تعالى وجهه فيما أخرجه عنه الترمذي وحسنه‏:‏ أحب آية إليّ في القرآن ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏‏.‏

‏{‏وَمَن يُشْرِكْ بالله‏}‏ استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لإدخال الروعة وزيادة تقبيح الإشراك، وتفظيع حال من يتصف به أي ومن يشرك بالله تعالى الجامع لجميع صفات الكمال من الجمال والجلال أي شرك كان ‏{‏فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً‏}‏ أي ارتكب ما يستحقر دونه الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعاً، وأصل الافتراء من الفري، وهو القطع ولكون قطع الشيء مفسدة له غالباً غلب على الإفساد، واستعمل في القرآن بمعنى الكذب والشرك والظلم كما قاله الراغب، فهو ارتكاب ما لا يصلح أن يكون قولاً أو فعلاً، فيقع على اختلاف الكذب وارتكاب الإثم، وهو المراد هنا، وهل هو مشتك بين اختلاق الكذب وافتعال ما لا يصلح أم حقيقة في الأول مجاز مرسل أو استعارة في الثاني‏؟‏ قولان‏:‏ أظهرهما عند البعض الثاني، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الشرك أعم من القولي والفعلي لأن المراد معنى عام وهو ارتكاب ما لا يصلح، وفي «مجمع البيان» التفرقة بين فريت وأفريت في أصل المعنى بأنه يقال‏:‏ «فريت الأديم إذا قطعته على وجه الإصلاح، وأفريته إذا قطعته على وجه الإفساد»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا‏:‏ يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب‏؟‏ فقال‏:‏ لا فقالوا‏:‏ والذي يحلف به ما نحن فيه إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار فهذا الذي زكوا به أنفسهم؛ وأخرج ابن جرير عن الحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 18‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 111‏]‏ والمعنى‏:‏ انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم، أو من ادعائهم أن الله تعالى يكفر ذنوبهم الليلية والنهارية مع استحالة أن يغفر لكافر شيء من كفره أو معاصيه، وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها لغير غرض صحيح كالتحدث بالنعمة ونحوه ‏{‏بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء‏}‏ إبطال لتزكية أنفسهم وإثبات لتزكية الله تعالى وكون ذلك للإضراب عن ذمهم بتلك التزكية إلى ذمهم بالبخل والحسد بعيد لفظاً ومعنى، والجملة عطف على مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل‏:‏ هم لا يزكونها في الحقيقة بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهل من عباده المؤمنين إذ هو العليم الخبير وأصل التزكية التطهير والتنزيه من القبيح قولاً كما هو ظاهر أو فعلاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 9‏]‏، و‏{‏خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 103‏]‏‏.‏

‏{‏وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً‏}‏ عطف على جملة حذفت تعويلاً على دلالة الحال عليها، وإيذاناً بأنها غنية عن الذكر أي يعاقبون بتلك الفعلة الشنيعة ولا يظلمون في ذلك العقاب أدنى ظلم وأصغره وهو المراد بالفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة وكثيراً ما يضرب به المثل في القلة والحقارة كالنقير للنقرة التي في ظهرها والقطمير وهو قشرتها الرقيقة، وقيل‏:‏ الفتيل ما خرج بين إصبعيك وكفيك من الوسخ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي مالك والسدي رضي الله تعالى عنهم، وجوز أن تكون جملة ‏{‏وَلاَ يُظْلَمُونَ‏}‏ في موضع الحال والضمير راجع إلى من حملا له على المعنى أي والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم أصلاً بل يعطونه يوم القيامة كملاً مع ما زكاهم الله تعالى ومدحهم في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ هو استئناف، والضمير عائد على الموصولين من زكى نفسه، ومن زكاه الله تعالى أي لا ينقص هذا من ثوابه ولا ذاك من عقابه، والأول أمس بمقام الوعيد، وانتصاب ‏{‏فَتِيلاً‏}‏ على أنه مفعول ثان كقولك‏:‏ ظلمته حقه، قال علي بن عيسى‏:‏ ويحتمل أن يكون تمييزاً كقولك‏:‏ تصببت عرقاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ‏}‏ في زعمهم أنهم أزكياء عند الله تعالى المتضمن لزعمهم قبول الله تعالى وارتضاءه إياهم ولشناعة هذا لما فيه من نسبته تعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية وجه النظر إلى كيفيته تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب الدال عليه الكلام وإلا فهم أيضاً مفترون على أنفسهم بادعائهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه، و‏{‏كَيْفَ‏}‏ في موضع نصب إما على التشبيه بالظرف أو بالحال على الخلاف المشهور بين سيبويه والأخفش، والعامل ‏{‏يَفْتَرُونَ‏}‏ و‏{‏بِهِ‏}‏ متعلق به‏.‏ وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من الكذب، وقيل‏:‏ هو متعلق به، والجملة في موضع النصب بعد نزع الخافض وفعل النظر معلق بذلك والتصريح بالكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً للمبالغة في تقبيح حالهم ‏{‏وكفى بِهِ‏}‏ أي بافترائهم، وقيل‏:‏ بهذا الكذب الخاص ‏{‏إِثْماً مُّبِيناً‏}‏ لا يخفى كونه مأثماً من بين آثامهم وهذا عبارة عن كونه عظيماً منكراً، والجملة كما قال عصام الملة‏:‏ في موضع الحال بتقدير قد أي كيف يفترون الكذب والحال أن ذلك ينافي مضمونه لأن إثم مبين والآثم المبين غير المتحاشي عنه مع ظهوره لا يكون ابن الله سبحانه وتعالى وحبيبه ولا يكون زكياً عند الله تعالى، وانتصاب ‏{‏ءاثِماً‏}‏ على التمييز‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏51‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ‏(‏51‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت‏}‏ تعجيب من حال أخرى لهم ووصفهم بما في حيز الصلة تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب، وقد تقدم نظيره، والآية نزلت كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة‏:‏ إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا يؤمن هذا أن يكون مكراً منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، ثم قال كعب‏:‏ يا أهل مكة ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب‏:‏ إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد‏؟‏ قال كعب‏:‏ أعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان‏:‏ نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم اللبن ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب‏:‏ أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك الآية، والجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل معبود غير الله تعالى، وقيل‏:‏ أصله الجبس وهو كما قال الراغب‏:‏ الرذيل الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاءاً كما في قول عمرو بن يربوع‏:‏ شرار النات أي الناس، وإلى ذلك ذهب قطرب والطاغوت يطلق على كل باطل من معبود أو غيره‏.‏ وأخرج الفريابي وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ «الجبت الساحر والطاغوت الشيطان»‏.‏ وأخرج ابن جرير من طرق عن مجاهد مثله، ومن طريق أبي الليث عنه قال‏:‏ الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان، وعن سعيد بن جبير الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن وأخرج ابن حميد عن عكرمة أن الجبت الشيطان بلغة الحبشة، والطاغوت الكاهن وهي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفي رواية أخرى الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، وفي أخرى الجبت الأصنام، والطاغوت الذين يكونون بين يديها يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس، ومعنى الإيمان بهما إما التصديق بأنهما آلهة وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلاً، والمتبادر المعنى الأول أي أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما‏.‏

‏{‏وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ أي لأجلهم وفي حقهم فاللام ليست صلة القول وإلا لقيل أنتم بدل قوله سبحانه ‏{‏هَؤُلاء‏}‏ أي الكفار من أهل مكة‏.‏ ‏{‏أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ سَبِيلاً‏}‏ أي أقوم ديناً وأرشد طريقة، قيل‏:‏ والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك فيه؛ أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم، وإيراد النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفاً لهم بالوصف الجميل وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأشنع القبائح‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏52‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏أولئك‏}‏ القائلون المبعدون في الضلالة ‏{‏الذين لَعَنَهُمُ الله‏}‏ أي أبعدهم عن رحمته وطردهم، واسم الإشارة مبتدأ والموصول خبره، والجملة مستأنفة لبيان حالهم وإظهار مآلهم ‏{‏وَمَن يَلْعَنِ‏}‏ أي يبعده ‏{‏الله‏}‏ من رحمته ‏{‏فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً‏}‏ أي ناصراً يمنع عنه العذاب دنيوياً كان أو أخروياً بشفاعة أو بغيرها، وفيه بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركي قريش وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون حيث كانوا بضد هؤلاء فهم الذين قربهم الله تعالى ومن يقربه الله تعالى فلن تجد له خاذلاً‏.‏ وفي الإتيان بكلمة لن وتوجيه الخطاب إلى كل واحد يصلح له وتوحيد النصير منكراً والتعبير عن عدمه بعدم الوجدان المؤذن بسبق الطلب مسنداً إلى المخاطب العام من الدلالة على حرمانهم الأبدي عن الظفر بما أملوا بالكلية ما لا يخفى، وإن اعتبرت المبالغة في نصير متوجهة للنفي كما قيل ذلك في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بظلام‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 46‏]‏ قوى أمر هذه الدلالة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏

‏{‏أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ‏(‏53‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك‏}‏ شروع في تفصيل بعض آخر من قبائحهم، و‏{‏أَمْ‏}‏ منقطعة فتقدر ببل، والهمزة أي بل آلهم، والمراد إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، وجحد لما تدعيه اليهود من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان‏.‏ وعن الجبائي أن المراد بالملك ههنا النبوة أي ليس لهم نصيب من النبوة حتى يلزم الناس اتباعهم وإطاعتهم والأول أظهر لقوله تعالى شأنه ‏{‏فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس‏}‏ أي أحداً أو الفقراء أو محمداً صلى الله عليه وسلم وأتباعه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ‏{‏نَقِيراً‏}‏ أي شيئاً قليلاً، وأصله ما أشرنا إليه آنفاً‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق أبي العالية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ هذا النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها‏.‏ وحاصل المعنى على ما قيل‏:‏ إنهم لا نصيب لهم من الملك لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم حرمانه بسبب أنهم لو أوتوا نصيباً منه لما أعطوا الناس أقل قليل منه، ومن حق من أوتي الملك الإيتاء وهم ليسوا كذلك، فالفاء في ‏{‏فَإِذَا‏}‏ للسببية والجزائية لشرط محذوف هو أن حصل لهم نصيب لا لو كان لهم نصيب كما قدره الزمخشري لأن الفاء لا تقع في جواب لو سيما مع إذا والمضارع، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة والهمزة لإنكار المجموع من المعطوف والمعطوف عليه بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون هذا الذي وقع وهو أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك حيث كانت لهم أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك ويعقبه منهم البخل بأقل قليل، وفائدة ‏{‏إِذَا‏}‏ زيادة الإنكار والتوبيخ حيث يجعلون ثبوت النصيب الذي هو سبب الإعطاء سبباً للمنع، والفرق بين الوجهين أن الإنكار في الأول‏:‏ متوجه إلى الجملة الأولى وهو بمعنى إنكار الوقوع‏.‏ وفي الثاني‏:‏ متوجه لمجموع الأمرين وهو بمعنى إنكار الواقع، و‏(‏ إذاً‏)‏ في الوجهين ملغاة، ويجوز إعمالها لأنه قد شرط في إعمالها الصدارة فإذا نظر إلى كونها في صدر جملتها أعملت، وإن نظر إلى العطف وكونها تابعة لغيرها أهملت، ولذا قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم فإذاً لا يؤتوا الناس بالنصب على الإعمال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ‏(‏54‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ يَحْسُدُونَ الناس‏}‏ انتقال من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد الذي هو من أقبح الرذائل المهلكة من اتصف بها دنيا وأخرى، وذكره بعده من باب الترقي، و‏{‏أَمْ‏}‏ منقطعة والهمزة المقدرة بعدها لإنكار الواقع، والمراد من الناس سيدهم بل سيد الخليقة على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم هذا ذهب عكرمة ومجاهد والضحاك وأبو مالك وعطية، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ «قال أهل الكتاب‏:‏ زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس همه إلا النكاح فأي ملك أفضل من هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية»‏.‏ وذهب قتادة والحسن وابن جريج إلى أن المراد بهم العرب، وعن أبي جعفر وأبي عبد الله أنهم النبي وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام، وقيل‏:‏ المراد بهم جميع الناس الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأسود والأحمر أي بل أيحسدونهم ‏{‏على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ‏}‏ يعني النبوة وإباحة تسع نسوة أو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منهم ونزول القرآن بلسانهم أو جمعهم كمالات تقصر عنها الأماني، أو تهيئة سبب رشادهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والحسد على هذا مجاز لأن اليهود لما نازعوه في نبوته صلى الله عليه وسلم التي هي إرشاد لجميع الناس فكأنما حسدوهم جمع ‏{‏فَقَدْ ءاتَيْنَا‏}‏ تعليل للإنكار والاستقباح وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر، والفاء كما قيل‏:‏ فصيحة أي أن يحسدوا الناس على ما أوتوا فقد أخطأوا إذ ليس الإيتاء ببدع منا لأنا قد آتينا من قبل هذا ‏{‏ءالَ إبراهيم الكتاب‏}‏ أي جنسه والمراد به التوراة والإنجيل أو هما والزبور ‏{‏والحكمة‏}‏ أي النبوة، أو إتقان العلم والعمل، أو الأسرار المودعة في الكتاب أقوال ‏{‏وءاتيناهم‏}‏ مع ذلك ‏{‏مُّلْكاً عَظِيماً‏}‏ لا يقادر قدره، وجوز أن يكون المعنى أنهم لا ينتفعون بهذا الحسد فإنا قد آتينا هؤلاء ما آتينا مع كثرة الحساد الجبابرة من نمروذ‏.‏ وفرعون‏.‏ وغيرهما فلم ينتفع الحاسد ولم يتضرر المحسود، وأن يراد أن حسدهم هذا في غاية القبح والبطلان فإنا قد آتينا من قبل أسلاف هذا النبي المحسود صلى الله عليه وسلم وأبناء عمه ما آتيناهم فكيف يستبعدون نبوته عليه الصلاة والسلام ويحسدونه على إيتائها وتكرير الإيتاء لما يقتضيه مقام التفصيل مع الإشعار بما بين الملك وما قبله من المغايرة، والمراد من الإيتاء إما الإيتاء بالذات وإما ما هو أعم منه ومن الإيتاء بالواسطة، وعلى الأول‏:‏ فالمراد من آل إبراهيم أنبياء ذريته، ومن الضمير الراجع إليهم من ‏{‏ءاتيناهم‏}‏ بعضهم، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وخصه السدي بما أحل لداود‏.‏

وسليمان من النساء فقد كان للأول تسع وتسعون امرأة ولولده ثلثمائة امرأة ومثلها سرية» وعن محمد بن كعب قال‏:‏ «بلغني أنه كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية»، وعلى الثاني‏:‏ فالمراد بهم ذريته كلها فإن تشريف البعض بما ذكر تشريف ‏(‏للكل لاغتنامهم بآثار ذلك واقتباسهم من أنوار‏)‏‏.‏ ومن الناس من فسر الحكمة بالعلم والملك العظيم بالنبوة، ونسب ذلك إلى الحسن ومجاهد، ولا يخفى أن إطلاق الملك العظيم على النبوة في غاية البعد والحمل على المتبادر أولى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏55‏]‏

‏{‏فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏فَمِنْهُمْ‏}‏ أي من جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم ‏{‏مَنْ ءامَنَ بِهِ‏}‏ أي بما أوتي آل إبراهيم ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ‏}‏ أي أعرض ‏{‏عَنْهُ‏}‏ ولم يؤمن به وهذا في رأي حكاية لما صدر عن أسلافهم عقيب وقوع المحكي من غير أن يكون له دخل في الإلزام، وقيل‏:‏ له دخل في ذلك ببيان أن الحسد لو لم يكن قبيحاً لأجمع عليه أسلافهم فلم يؤمن منهم أحد كما أجمعوهم عليه فلم يؤمن أحد منهم، وليس بشيء، وقيل‏:‏ معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر، ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك فضمير ‏{‏بِهِ‏}‏ و‏{‏عَنْهُ‏}‏ على هذا لإبراهيم، وفيه تسلية له عليه الصلاة والسلام ورجوع الضميرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وجعل الكلام متفرعاً على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 47‏]‏ أو على قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين‏}‏ الخ في غاية البعد، وكذا جعل الضميرين لما ذكر من حديث آل إبراهيم ‏{‏وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً‏}‏ أي ناراً مسعرة موقدة إيقاداً شديداً أي إن انصرف عنهم بعض العذاب في الدنيا فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم في العقبى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏56‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏56‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً‏}‏ استئناف وقع كالبيان والتقرير لما قبله، والمراد بالموصول إما الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإما ما يعمهم وغيرهم ممن كفر بسائر الأنبياء عليهم السلام، ويدخل أولئك دخولاً أولياً، وعلى الأول‏:‏ فالمراد بالآيات إما القرآن أو ما يعم كله وبعضه، أو ما يعم سائر معجزاته عليه الصلاة والسلام، وعلى الثاني‏:‏ فالمراد بها ما يعم المذكورات وسائر الشواهد التي أتى بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدعاهم، و‏{‏سَوْفَ‏}‏ كما قال سيبويه‏:‏ كلمة تذكر للتهديد والوعيد، وتنوب عنها السين كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَأُصْلِيهِ سَقَرَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 26‏]‏ وقد تذكر للوعد كما في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 5‏]‏ و‏{‏سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 98‏]‏؛ وكثيراً ما تفيد هي والسين توكيد الوعيد، وتنكير ‏{‏نَارًا‏}‏ للتفخيم أي‏:‏ يدخلون ولا بد ناراً هائلة

‏{‏كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ‏}‏ أي احترقت وتهرت وتلاشت، من نضج الثمر واللحم نضجاً ونضجاً إذا أدرك، و‏{‏كُلَّمَا‏}‏ ظرف زمان والعامل فيه ‏{‏بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا‏}‏ أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلداً جديداً مغايراً للمحترق صورة وإن كانت مادته الأصلية موجودة بأن يزال عنه الإحراق فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص فكيف يعذب‏؟‏ وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته، وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلاً عن فاضل، وذلك لأن عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور وهو أشبه الأشياء بالآلة فَيَدُ قاتل النفس ظلماً مثلاً آلة له كالسيف الذي قتل به ولا فرق بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح، والسيف ليس كذلك، وهذا لا يصلح وحده سبباً لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه لأن ذلك الحمل غير اختياري، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم عليه السلام ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع، ولا شك أن الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام بل من أنصف رأى أن أجزاء الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيوخة وكون الماهية واحدة لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني يغاير الأول كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلاً على أنه لو قيل‏:‏ إن الكافر يعذب أولاً‏:‏ ببدن من حديد تحله الروح، وثانياً‏:‏ ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول‏:‏ إن الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنار ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار إنكاره كفراً لم يبعد عقلاً القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط‏.‏

ولما توقف الأمر عقلاً على إثبات الأجسام أصلاً، ولا يتوهم من هذا أني أقول باستحالة إعادة المعدوم معاذ الله تعالى، ولكني أقول بعدم الحاجة إلى إعادته وإن أمكنت، والنصوص في هذا الباب متعارضة، فمنها ما يدل على إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها، ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء الأولى، ولا أرى بأساً بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الأمرين كان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الآيات التي يدل ظاهرها على إعادة العين مثل قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 24‏]‏ وما في «شرح البخاري» للسفيري من أنه لا تزال الخصومة بين الناس حتى تختصم الروح والجسد يوم القيامة، فتقول الروح للجسد‏:‏ أنت فعلت وأني كنت ريحاً ولولاك لم أستطع أن أعمل شيئاً، ويقول الجسد للروح‏:‏ أنت أمرت وأنت سولت ولولاك لكنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يداً ولا رجلاً، فيبعث الله تعالى ملكاً يقضي بينهما فيقول لهما‏:‏ إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير‏:‏ إني أرى ههنا ثماراً لكن لا أصل إليها فقال له الضرير‏:‏ اركبني فتناولها فأيهما المتعدي‏؟‏ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك‏:‏ فإنكما قد حكمتما على أنفسكما لا أراه صحيحاً لظهور الفرق بين المثال والممثل له فإن الحامل فيما نحن فيه لا اختيار له ولا شعور بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يكون هناك شعور لكن لا شعور لنا به» ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لتحقيق هذا المقام، ثم إن هذا التبديل كيفما كان يكون في الساعة الواحدة مرات كثيرة‏.‏ فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر قال‏:‏ «قرىء عند عمر هذه الآية فقال كعب‏:‏ عندي تفسيرها قرأتها قبل الإسلام فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها سمعت كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك قال‏:‏ إني قرأتها قبل ‏(‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة‏)‏ فقال عمر‏:‏ هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن قال‏:‏ «بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة كلما نضجتهم النار وأكلت لحومهم قيل لهم‏:‏ عودوا فعادوا»‏.‏

‏{‏لِيَذُوقُواْ العذاب‏}‏ أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز‏:‏ أعزك الله والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيراً أو على سرايته للباطن، ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحال مع الاحتراق أو مع بقاء أبدانهم على حالها مصونة عنه أن النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة عن التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق قاله مولانا شيخ الإسلام، وقيل‏:‏ السر في ذلك أن في النضج والتبديل نوع إياس لهم وتجديد حزن على حزن، وأنكر بعضهم نضج الجلود بالمعنى المتبادر وتبديلها زاعماً أن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه بقوله‏:‏

‏{‏سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 50‏]‏ وسميت السرابيل جلوداً للمجاورة، وفيه أنه ترك للظاهر، ويوشك أن يكون خلاف المعلوم ضرورة، وأن السرابيل لا توصف بالنضج وكأنه ما دعاه إلى هذا الزعم سوى استبعاد القول بالظاهر، وليس هو بالبعيد عن قدرة الله سبحانه وتعالى ‏{‏إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً‏}‏ أي لم يزل منيعاً لا يدافع ولا يمانع، وقيل‏:‏ إنه قادر لا يمتنع عليه ما يريده مما تواعد أو وعد به ‏{‏حَكِيماً‏}‏ في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه؛ والجملة تعليل لما قبلها من الإصلاء والتبديل وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم مع ما مر مراراً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏57‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ عقب بيان سوء حال الكفرة ببيان حسن حال المؤمنين تكميلاً للمساءة والمسرة، وقدم بيان حال الأولين لأن الكلام فيهم، والمراد بالموصول إما المؤمنون بنبينا صلى الله عليه وسلم، وإما ما يعمهم وسائر من آمن من أمم الأنبياء عليهم السلام أي إن الذين آمنوا بما يجب الإيمان به وعملوا الأعمال الحسنة ‏{‏سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار‏}‏ قرأ عبد الله سيدخلهم بالياء والضمير للاسم الجليل، وفي السين تأكيد للوعد، وفي اختيارها هنا واختيار ‏{‏سَوْفَ‏}‏ في آية الكفر ما لا يخفى‏.‏

‏{‏خالدين فِيهَا أَبَداً‏}‏ إعظاماً للمنة وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب في ‏{‏سَنُدْخِلُهُمْ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ‏}‏ أي من الحيض والنفاس وسائر المعايب والأدناس والأخلاق الدنيئة والطباع الرديئة لا يفعلن ما يوحش أزواجهن ولا يوجد فيهن ما ينفر عنهن، في محل النصب على أنه حال من ‏(‏جنات‏)‏، أو حال ثانية من الضمير المنصوب أو أنه صفة لجنات بعد صفة، أو في محل الرفع على أنه خبر للموصول بعد خبر‏.‏ والمراد أزواج كثيرة كما تدل عليه الأخبار‏.‏

‏{‏وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً‏}‏ أي فيناناً لا وجوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا قرّ، رزقنا الله تعالى التفيؤ فيه برحمته إنه أرحم الراحمين، والمراد بذلك إما حقيقته ولا يمنع منه عدم الشمس وإما أنه إشارة إلى النعمة التامة الدائمة، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل للتأكيد كما هو عادتهم في نحو يوم أيوم، وليل أليل وقال الإمام المرزوقي‏:‏ إنه مجرد لفظ تابع لما اشتق منه وليس له معنى وضعي بل هو كبسن في قولك‏:‏ حسن بسن، وقرىء ‏{‏يدخلهم‏}‏ بالياء عطف على ‏{‏لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ‏}‏ لا على أنه غير الإدخال الأول بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 58‏]‏‏.‏

هذا ومن باب الإشارة‏:‏ في الآيات ‏{‏حَدِيثاً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ‏}‏ خطاب لأهل الإيمان العلمي، ونهي لهم أن يناجوا ربهم أو يقربوا مقام الحضور والمناجاة مع الله سبحانه وتعالى في حال كونهم سكارى خمر الهوى ومحبة الدنيا، أو نوم الغفلة حتى يصحوا ولا يشتغلوا بغير مولاهم، والمقصود النهي عن إشغال القلب بسوى الرب، وقيل‏:‏ إنه خطاب لأهل المحبة العشق الذين أسكرهم شراب ليلى ومدام مي، فبقوا حيارى مبهوتين لا يميزون الحي من الليّ ولا يعرفون الأوقات ولا يقدرون على أداء شرائط الصلوات فكأنهم قيل لهم‏:‏ يا أيها العارفون بي وبصفاتي وأسمائي السكارى من شراب محبتي وسلسبيل أنسي وتسنيم قدمي وزنجبيل قربي ومدام عشقي وعقار مشاهدتي إذا كشفت لكم جمالي وآنستكم في مقام ربوبيتي فلا تكلفوا نفوسكم أداء الرسوم الظاهرة لأنكم في جنان مشاهدتي، وليس في الجنان تقييد، وإذا سكنتم من سكركم وصرتم صاحين بنعت التمكين فأدوا ما افترضته عليكم وقوموا لله قانتين وحاصله رفع التكليف عن المجذوبين الغارقين في بحار المشاهدة إلى أن يعقلوا ويصحوا، فالإيمان على هذا محمول على الإيمان العيني والمعنى الأول أولى بالإشارة ‏{‏وَلاَ جُنُباً‏}‏ أي ولا تقربوا الصلاة في حال كونكم بعداء عن الحق لشدة الميل إلى النفس ولذاتها ‏{‏إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ‏}‏ أي سالكي طريق من طرق تمتعاتها بقدر الضرورة كعبور طريق الاغتذاء بالمأكل والمشرب لسد الرمق أو الاكتساء لدفع ضرورة الحر والقرّ وستر العورة، أو المباشرة لحفظ النسل ‏{‏حتى تَغْتَسِلُواْ‏}‏ وتتطهروا بمياه التوبة والاستغفار وحسن التنصل والاعتذار ‏{‏وَإِنْ كُنتُم مرضى‏}‏ بأدواء الرذائل ‏{‏أَوْ على سَفَرٍ‏}‏ في بيداء الجهالة والحيرة لطلب الشهوات ‏{‏أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط‏}‏ أي الاشتغال بلوث المال ملوثاً محبته ‏{‏أَوْ لامستم النساء‏}‏ أي لازمتم النفوس وباشرتموها في قضاء وطرها ‏{‏فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء‏}‏ علماً يهديكم إلى التخلص عن ذلك ‏{‏فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً‏}‏ أي فاقصدوا صعيد استعدادكم أو ارجعوا إلى المرشدين أرباب الاستعداد ‏{‏فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ‏}‏ أي امسحوا ذواتكم وصفاتكم بما يتصاعد من أنوار استعدادهم وتخلقوا بأخلاقهم واسلكوا مسالكهم حتى تمحى عنكم تلك الهيئات المهلكة وتبقى أنفسكم صافية ‏{‏إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً‏}‏ يعفو عما صدر منكم بمقتضى تلك الهيئات

‏{‏غَفُوراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 34‏]‏ يستر الشين بالزين ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا‏}‏ أي بعضاً ‏{‏مّنَ الكتاب‏}‏ وهو اعترافهم بالحق مع احتجابهم برؤية الخلق ‏{‏يَشْتَرُونَ الضلالة‏}‏ ويتركون التوحيد الحقيقي ‏{‏وَيُرِيدُونَ‏}‏ مع ذلك ‏{‏أَن تَضِلُّواْ السبيل‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 44‏]‏ الحق وهو التوحيد الصرف وعدم رؤية الأغيار فتكونوا مثلهم ‏{‏والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ‏}‏ وعنى بهم أولئك الموصوفين بما ذكر، وسبب عداوتهم لهم اختلاف الأسماء الظاهرة فيهم ولهذا ودوا تكفيرهم ‏{‏وكفى بالله وَلِيّاً‏}‏ يلي أموركم بالتوفيق لطريق التوحيد ‏{‏وكفى بالله نَصِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 45‏]‏ ينصركم على أعدائكم فلا يستطيعون إيذاءكم وردكم عما أنتم عليه من الحق ‏{‏مّنَ الذين هَادُواْ‏}‏ رجعوا عن مقتضى الاستعداد من نفي السوي إلى ما سولت لهم أنفسهم واستنتجته أفكارهم وأيدته أنظارهم ودعت إليه علومهم الرسمية ‏{‏يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه‏}‏ يحتمل أن يراد بالكلم معناها الظاهر أي أنهم يؤولون جميع ما يشعر ظاهره بالوحدة على حسب إرادتهم زاعمين أنه لا يمكن أن يكون غير ذلك مراداً لله تعالى لا قصداً ولا تبعاً لا عبارة ولا إشارة، ويحتمل أن يراد بها هذه الممكنات فإنها كلم الله تعالى بمعنى الدوال عليه، أو كلمه بمعنى آثار كلمه أعني كن المتعددة حسب تعدد تعلقات الإرادة‏.‏

ومعنى تحريفها عن مواضعها إمالتها عما وضعها الله تعالى فيه من كونها مظاهر أسمائه فيثبتون لها وجوداً غير وجود الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا‏}‏ ما يشعر بالوحدة أو سمعنا ما يقال في هذه الممكنات ‏{‏وَعَصَيْنَا‏}‏ فلا نقول بما تقولون ولا نعتقد ما تعتقدون ‏{‏و‏}‏ يقولون أيضاً في أثناء مخاطبتهم للعارف مستخفين مستهزئين به ‏{‏عَظِيمٍ أَسْمِعْ‏}‏ ما يعارض ما تدعيه ‏{‏غَيْرَ مُسْمَعٍ‏}‏ أي لا أسمعك الله ‏{‏وراعنا‏}‏ يعنون رميه بالرعونة وهي الحماقة ‏{‏لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 46‏]‏ الذي عليه العارف بربه ‏{‏قَلِيلاً يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب‏}‏ أي فهموا عليه الظاهر ولم يفهموا ما أشار إليه من علم الباطن ‏{‏بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً‏}‏ على قلوب أوليائي من العلم اللدني ‏{‏مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ‏}‏ من علم الظاهر إذ كل باطن يخالف الظاهر فهو باطل ‏{‏مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً‏}‏ وهي وجوه القلوب بالعمى ‏{‏فَنَرُدَّهَا على أدبارها‏}‏ ناظرة إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانت في أصل الفطرة متوجهة إلى ما في الميثاق الأول ‏{‏أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 47‏]‏ فنمسخ صورهم المعنوية كما مسخنا صور اليهود الحسية، ويحتمل أن يكون هذا خطاباً لمن أوتي كتاب الاستعداد أمرهم بالإيمان الحقيقي وهددهم بإزالة استعدادهم وردهم إلى أسفل سافلين، وإبعادهم بالمسخ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ‏}‏ إلا بالتوبة عنه لشدة غيرته «لا أحد أغير من الله» ‏{‏وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ أن يغفر له تاب أو لم يتب، وقد ذكروا أن الشرك ثلاث مراتب ولكل مرتبة توبة‏:‏ فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام كعبدة الأصنام والكواكب مثلاً، وتوبته إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية، وشرك خفي بالأوصاف وهو للخواص وفسر بشوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية وتوبته الالتفات عن ذلك الالتفات وشرك أخفى لخواص الخواص وهو الأنانية وتوبته بالوحدة وهي فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية ‏{‏وَمَن يُشْرِكْ بالله‏}‏ أيّ شرك كان من هذه المراتب ‏{‏فَقَدِ افترى‏}‏ وارتكب حسب مرتبته ‏{‏إِثْماً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48‏]‏ لا يقدر قدره ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ‏}‏ كعلماء السوء من أهل الظاهر الذين لم يحصلوا من علومهم سوى العجب والكبر والحسد والحقد وسائر الصفات الرذيلة ‏{‏بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 49‏]‏ كالعارفين به الذين لا يرون لأنفسهم فعلاً، ويحتمل أن يكون هذا تعجيباً ممن يزكي نفسه بنفسه ويسلك في مسالك القوم على رأيه غير معتمد على مرب مرشد له من ولي كامل أو أثارة من علم إلهي كبعض المتفلسفين من أهل الرياضات ‏{‏انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ‏}‏ بادعاء تزكية نفوسهم من صفاتها وما تزكت أو بانتحال صفات الله تعالى إلى أنفسهم مع وجودها

‏{‏وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 50‏]‏ ظاهراً لا خفاء فيه ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أَتَوْا نَصِيباً‏}‏ بعضاً ‏{‏مّنَ الكتاب‏}‏ الجامع، وأشير به إلى علم الظاهر ‏{‏يُؤْمِنُونَ بالجبت‏}‏ أي بجبت النفس ‏{‏والطاغوت‏}‏ أي طاغوت الهوى فيميلون مع أنفسهم وهواهم ‏{‏وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ أي لأجل الذين ستروا الحق ‏{‏هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ الإيمان الحقيقي ‏{‏سَبِيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 51‏]‏ ‏{‏أولئك الذين لَّعَنَهُمُ الله‏}‏ أي أبعدهم عن معرفته وقربه ‏{‏وَمَن يَلْعَنِ‏}‏ أي يبعده ‏{‏الله‏}‏ عن ذلك ‏{‏فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 52‏]‏ يهديه إلى الحق ‏{‏أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 53‏]‏ ذم لهم بالبخل الذي هو الوصمة الكبرى عند أهل الله تعالى ‏{‏مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم‏}‏ من المعرفة وإعزازهم بين خلقه وإرشادهم لمن استرشدهم ‏{‏فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم‏}‏ وهم المتبعون له على ملته من أهل المحبة والخلة ‏{‏الكتاب‏}‏ أي علم الظاهر أو الجامع له ولعلم الباطن ‏{‏والحكمة‏}‏ علم الباطن أو باطن الباطن ‏{‏أَمْ يَحْسُدُونَ الناس‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 54‏]‏ وهو الوصول إلى العين وعدم الوقوف عند الأثر ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا‏}‏ أي حجبوا عن تجليات صفاتنا وأفعالنا أو أنكروا على أوليائنا الذين هم مظاهر الآيات ‏{‏سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً‏}‏ عظيمة وهي نار القهر والحجاب، أو نار الحسد ‏{‏كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ‏}‏ وتقطعت أماني نفوسهم الأمارة ومقتضيات هواها ‏{‏بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا‏}‏ بتجدد نوع آخر من أنواع تجليات القهر أو بتجدد نعم أخرى تظهر على أوليائنا الذين حسدوهم وأنكروا عليهم ‏{‏لِيَذُوقُواْ العذاب‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 56‏]‏ ما داموا منغمسين في أوحال الرذائل ‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ أي الأعمال التي يصلحون بها لقبول التجليات ‏{‏سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار‏}‏ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشف ‏{‏خالدين فِيهَا أَبَداً‏}‏ لبقاء أرواحهم المفاوضة عليها ما يروحها ‏{‏لَّهُمْ فِيهَا أزواج‏}‏ من التجليات التي يلتذون بها ‏{‏مُّطَهَّرَةٍ‏}‏ من لوث النقص ‏{‏وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 57‏]‏ وهو ظل الوجود والصفات الإلهية وذلك بمحو البشرية عنهم، نسأل الله تعالى من فضله فلا فضل إلا فضله، ثم إنه سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين بأبلغ وجه إلى بعض أمهات الأعمال الصالحة

‏[‏بم فقال عز من قائل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الاحمانات إِلَى أَهْلِهَا‏}‏ أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة فلما أتاه قال‏:‏ أرني المفتاح فأتاه به فلما بسط يده إليه قام العباس فقال‏:‏ يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أرني المفتاح يا عثمان فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح، فقال‏:‏ هاك بأمانة الله تعالى فقام ففتح الكعبة فوجد فيها تمثال إبراهيم عليه السلام معه قداح يستقسم بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما للمشركين قاتلهم الله تعالى وما شأن إبراهيم عليه السلام وشأن القداح وأزال ذلك، وأخرج مقام إبراهيم عليه السلام وكان في الكعبة؛ ثم قال‏:‏ أيها الناس هذه القبلة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل عليه السلام فيما ذكر لنا برد المفتاح فدعا عثمان بن أبي طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ‏}‏» الآية‏.‏

وفي رواية الطبراني ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أعطى المفتاح‏:‏ خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ‏"‏ يعني سدانة الكعبة، وفي «تفسير ابن كثير» «أن عثمان دفع المفتاح بعد ذلك إلى أخيه شيبة بن أبي طلحة فهو في يد ولده إلى اليوم»، وذكر الثعلبي والبغوي والواحدي «أن عثمان امتنع عن إعطاء المفتاح للنبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي كرم الله تعالى وجهه يده وأخذه منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يجمع له السدانة والسقاية فنزلت فأمر علياً كرم الله تعالى وجهه أن يرد ويعتذر إليه وصار ذلك سبباً لإسلامه ونزول الوحي بأن السدانة في أولاده أبداً» وما ذكرناه أولى بالاعتبار‏.‏ أما أولاً‏:‏ فلما قال الأشموني‏:‏ إن المعروف عند أهل السير أن عثمان بن طلحة أسلم قبل ذلك في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما ذكره ابن إسحق وغيره وجزم به ابن عبد البر في «الاستيعاب»‏.‏ والنووي في «تهذيبه»‏.‏ والذهبي وغيرهم، وأما ثانياً‏:‏ فلما فيه من المخالفة لما ذكره ابن كثير، وقد نصوا على أنه هو الصحيح، وأما ثالثاً‏:‏ فلأن المفتاح على هذا لا يعد أمانة لأن علياً كرم الله تعالى وجهه أخذه منه قهراً وما هذا شأنه هو الغصب لا الأمانة، والقول بأن تسمية ذلك أمانة لأن الله تعالى لم يرد نزعه منه، أو للإشارة إلى أن الغاصب يجب أن يكون كالمؤتمن في قصد الرد، أو إلى أن علياً كرم الله تعالى وجهه لما قصد بأخذه الخير وكان أيضاً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم جعل كالمؤتمن في أنه لا ذنب عليه لا يخلو عن بعد، وأياً مّا كان فالخطاب يعم كل أحد كما أن الأمانات، وهي جمع أمانة مصدر سمي به المفعول تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب، وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس‏.‏

وأبي‏.‏ وابن مسعود‏.‏ والبراء بن عازب وأبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وإليه ذهب الأكثرون، وعن زيد بن أسلم واختاره الجبائي وغيره أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على موجب الدين والشريعة، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها، وجعلوا الخطاب الآتي لهم أيضاً، وفي تصدير الكلام بإن الدالة على التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، ولهذا ورد من حديث ثوبان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا إيمان لمن لا أمانة له ‏"‏ وأخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا‏:‏ حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة طعمة ‏"‏ وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر‏:‏ الرحم توصل برة كانت أو فاجرة والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر والعهد يوفى به للبر والفاجر»، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم‏:‏ من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ‏"‏ والأخبار في ذلك كثيرة، وقرىء الأمانة بالإفراد والمراد الجنس لا المعهود أي يأمركم بأداء أيّ أمانة كانت‏.‏

‏{‏وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل‏}‏ أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم، فالواو للعطف، والظرف متعلق بما بعد أن وهو معطوف على ‏{‏أَن تُؤدُّواْ‏}‏ والجار متعلق به أو بمقدر وقع حالاً من فاعله أي‏:‏ ويأمركم أن تحكموا بالإنصاف والسوية، أو متلبسين بذلك إذا قضيتم بين الناس ممن ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم، وهذا مبني على مذهب من يرى جواز تقدم الظرف المعمول لما في حيز الموصول الحرفي عليه، والفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وفي «التسهيل» الفصل بين العاطف والمعطوف إذا لم يكن فعلاً بالظرف والجار والمجرور جائز وليس ضرورة خلافاً لأبي علي، ولقيام الخلاف في المسألة ذهب أبو حيان إلى أن الظرف متعلق بمقدر يفسره المذكور أي وأن تحكموا إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ليسلم مما تقدم، ولا يجوز تعلقه بما قبله لعدم استقامة المعنى لأن تأدية الأمانة ليست وقت الحكومة، والمراد بالحكم ما كان عن ولاية عامة أو خاصة، وأدخلوا في ذلك ما كان عن تحكيم‏.‏

وفي بعض الآثار أن صبيين ارتفعا إلى الحسن رضي الله تعالى عنه بن علي كرم الله تعالى وجهه في خط كتباه وحكماه في ذلك ليحكم أي الخطين أجود فبصر به علي كرم الله تعالى وجهه فقال‏:‏ يا بني أنظر كيف تحكم فإن هذا حكم والله تعالى سائلك عنه يقوم القيامة‏.‏

‏{‏إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ‏}‏ جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال وإظهار الاسم الأعظم لتربية المهابة وهو اسم ‏{‏ءانٍ‏}‏ وجملة ‏{‏نِعِمَّا يَعِظُكُمْ‏}‏ خبرها، و‏(‏ ما‏)‏ إما بمعنى الشيء معرفة تامة، و‏{‏يَعِظُكُمُ‏}‏ صفة موصوف محذوف وهو المخصوص بالمدح، أي نعم الشيء شيء يعظكم به، ويجوز نعم هو أي الشيء شيئاً يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف، وإما بمعنى الذي وما بعدها صلتها وهو فاعل نعم والمخصوص محذوف أيضاً، أي نعم الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل قاله أبو البقاء ونظر فيه بأنه قد تقرر أن فاعل نعم إذا كان مظهراً لزم أن يكون محلى بلام الجنس أو مضافاً إليه كما في «المفصل»، وأجيب بأن سيبويه جوز قيام ‏(‏ما‏)‏ إذا كانت معرفة تامة مقامه، وابن السراج أيضاً جوز قيام الموصولة لأنها في معنى المعرف باللام، واعترض القول بوقوع ‏(‏ما‏)‏ تمييزاً بأنها مساوية للمضمر في الإبهام فلا تميزه لأن التمييز لبيان جنس المميز، وأجيب بمنع كونها مساوية له لأن المراد بها شيء عظيم، والضمير لا يدل على ذلك، ومن الغريب ما قيل‏:‏ إن ‏(‏ما‏)‏ كافة فتدبر، وقد تقدم الكلام فيما في ‏{‏نِعِمَّا‏}‏ من القراءات ‏{‏إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً‏}‏ بجميع المسموعات ومنها أقوالكم ‏{‏بَصِيراً‏}‏ بكل شيء ومن ذلك أفعالكم، ففي الجملة وعد ووعيد، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه‏:‏ سوّ بين الخصمين في لحظك ولفظك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ‏}‏ بعدما أمر سبحانه ولاة الأمور بالعموم أو الخصوص بأداء الأمانة والعدل في الحكومة أمر الناس بإطاعتهم في ضمن إطاعته عز وجل وإطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال عز من قائل‏:‏ ‏{‏أَطِيعُواْ الله‏}‏ أي الزموا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه ‏{‏وَأَطِيعُواْ الرسول‏}‏ المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أيضاً، وعن الكلبي أن المعنى‏:‏ أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن، والأول أولى وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناءاً بشأنه عليه الصلاة والسلام وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن وإيذاناً بأن له صلى الله عليه وسلم استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثمّ لم يعد في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ‏}‏ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلف في المراد بهم فقيل‏:‏ أمراء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والسلاطين والقضاة وغيرهم، وقيل‏:‏ المراد بهم أمراء السرايا، وروي ذلك عن أبي هريرة وميمون بن مهران، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي، وأخرجه ابن عساكر عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية، وفيها عمار بن ياسر فساروا قبل القوم الذين يريدون فلما بلغوا قريباً منهم عرسوا وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد يسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال‏:‏ يا أيا اليقظان إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غداً وإلا هربت‏؟‏ فقال عمار‏:‏ بل هو ينفعك فأقم فأقام فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل فأخذه وأخذ ماله فبلغ عماراً الخبر فأتى خالداً فقال‏:‏ خل عن الرجال فإنه قد أسلم وهو في أمان مني، قال خالد‏:‏ وفيم أنت تجير‏؟‏ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير فاستبا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال خالد‏:‏ يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا خالد لا تسب عماراً فإن من سب عماراً سبه الله تعالى ومن أبغض عماراً أبغضه الله تعالى ومن لعن عماراً لعنه الله تعالى فغضب عمار فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي، فأنزل الله تعالى هذه الآية» ووجه التخصيص على هذا أن في عدم إطاعتهم ولا سلطان ولا حاضرة مفسدة عظيمة، وقيل‏:‏ المراد بهم أهل العلم، وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة، واستدل عليه أبو العالية بقوله تعالى‏:‏

‏{‏وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الامر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 83‏]‏ فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام، وحمله كثير وليس ببعيد على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأن للأمراء تدبير أمر الجيش والقتال، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز‏.‏

واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَانٍ الله فِي شَىْء‏}‏ فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقاً والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده، والمعنى فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين ‏{‏فَرُدُّوهُ‏}‏ فراجعوا فيه ‏{‏إِلَى الله‏}‏ أي إلى كتابه ‏{‏والرسول‏}‏ أي إلى سنته، ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم‏.‏ وجعل بعضهم‏:‏ الخطاب فيه لأولي الأمر على الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضاً مجادلة ومحاجة فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل، وقيل‏:‏ على إرادة الأعم يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين وتكون المنازعة بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء، ثم إن وجوب الطاعة لهم ما داموا على الحق فلا يجب طاعتهم فيما خالف الشرع، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى»، وأخرج هو وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عنه أيضاً كرم الله تعالى وجهه قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال‏:‏ اجمعوا لي حطباً فجمعوا له حطباً قال‏:‏ أوقدوا ناراً فأوقدوا ناراً قال‏:‏ ألم يأمركم صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى قال‏:‏ فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا‏:‏ إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك فقال عليه الصلاة والسلام «لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف» وهل يشمل المباح أم لا‏؟‏ فيه خلاف، فقيل‏:‏ إنه لا يجب طاعتهم فيه لأنه لا يجوز لأحد أن يحرم ما حلله الله تعالى ولا أن يحلل ما حرمه الله تعالى، وقيل‏:‏ تجب أيضاً كما نص عليه الحصكفي وغيره، وقال بعض محققي الشافعية‏:‏ يجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرم، وقال بعضهم‏:‏ الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهراً فقط بخلاف ما فيه ذلك فإنه يجب باطناً أيضاً، وكذا يقال في المباح الذي فيه ضرر للمأمور به، ثم هل العبرة بالمباح والمندوب المأمور به باعتقاد الآمر فإذا أمر بمباح عنده سنة عند المأمور يجب امتثاله ظاهراً فقط أو المأمور فيجب باطناً أيضاً وبالعكس فينعكس ذلك كل محتمل وظاهر إطلاقهم في مسألة أمر الإمام الناس بالصوم للاستسقاء الثاني لأنهم لم يفصلوا بين كون الصوم المأمور به هناك مندوباً عند الآمر أو لا، وأيد بما قرروه في باب الاقتداء من أن العبرة باعتقاد المأموم لا الإمام، ولم أقف على ما قاله أصحابنا في هذه المسألة فليراجع هذا، واستدل بالآية من أنكر القياس وذلك لأن الله تعالى أوجب الرد إلى الكتاب والسنة دون القياس، والحق أن الآية دليل على إثبات القياس بل هي متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فإن المراد بإطاعة الله العمل بالكتاب، وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس لأن رد المختلف فيه الغير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئاً وراء ذلك، وقد علم من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِن تَنَازَعْتُمْ‏}‏ أنه عند عدم النزاع يعمل بما اتفق عليه وهو الإجماع‏.‏

‏{‏إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر‏}‏ متعلق بالأمر الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير عن المخالفة، وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه، والكلام على حد إن كنت ابني فأطعني فإن الإيمان بالله تعالى يوجب امتثال أمره، وكذا الإيمان باليوم الآخر لما فيه من العقاب على المخالفة ‏{‏ذلك‏}‏ أي الرد المأمور به العظيم الشأن ولو حمل كما قيل على جميع ما سبق على التفريع لحسن‏.‏ وقال الطبرسي‏:‏ «إنه إشارة إلى ما تقدم من الأوامر أي طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام ‏{‏خَيْرٌ‏}‏ لكم وأصلح ‏{‏وَأَحْسَنُ‏}‏ أي أحمد في نفسه ‏{‏تَأْوِيلاً‏}‏ أي عاقبة، قاله قتادة والسدي وابن زيد»، وأفعل التفضيل في الموضعين للإيذان بالكمال على خلاف الموضوع له، ووجه تقديم الأول على الثاني أن الأغلب تعلق أنظار الناس بما ينفعهم، وقيل‏:‏ المراد‏:‏ خير لكم في الدنيا وأحسن عاقبة في الآخرة»، ووجه التقديم عليه أظهر‏.‏ «وعن الزجاج أن المراد‏:‏ أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فالتأويل إما بمعنى الرجوع إلى المآل والعاقبة، وإما بمعنى بيان المراد من اللفظ الغير الظاهر منه، وكلاهما حقيقة، وإن غلب الثاني في العرف ولذا يقابل التفسير‏.‏